حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

667

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

لأنها المنتفع بها في دفع الأعداء لا الطول والجمال . الوجه الثالث : وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ فالملك له والعبيد له والمالك إذا تصرف في ملك نفسه فلا اعتراض لأحد عليه . الوجه الرابع : وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ فإذا فوض الملك إليه فإن علم أن الملك لا يتمشى إلا بالمال فتح عليه باب الرزق ويوسع عليه . قوله عزّ من قائل وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ الآية . اعلم أن ظاهر قوله تعالى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً يدل على أنهم كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم . ثم إنه لما قال : إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً كان هذا دليلا قاطعا على أنه ملك ، لكنه تعالى لكمال رأفته بالمكلفين ضم إلى ذلك الدليل دليلا آخر دل على صدق النبي ، وإكثار الدلائل من اللّه تعالى جائز . ولهذا كثرت معجزات محمد صلى اللّه عليه وسلم ومعجزات موسى وعيسى عليهما السلام . ثم إن مجيء التابوت لا بد أن يقع على وجه يكون خارقا للعادة حتى يصح أن يكون معجزة وآية من عند اللّه دالة على صدق تلك الدعوى . فقيل : إن اللّه تعالى أنزل على آدم تابوتا فيه صور الأنبياء من أولاده فتوارثوه إلى أن وصل إلى يعقوب ، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم ، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم ، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصر ، فلما عصوا وفسدوا سلط اللّه عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه ، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت قال ذلك النبي : إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره . وكان الكفار الذين سلبوا التابوت قد جعلوه في موضع البول والغائط ، فدعا النبي صلى اللّه عليه وسلم عليهم في ذلك الوقت فسلط اللّه على أولئك الكفار البلاء حتى إن كل من بال عنده أو تغوط ابتلاه اللّه بالبواسير ، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت فأخرجوه ووضعوه على ثورين ، فأقبل الثوران يسيران ووكل اللّه بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما حتى أتوا منزل طالوت . فعلى هذا إتيان التابوت مجاز لأنه أتى به ولم يأت هو بنفسه . وقيل : إنه صندوق من خشب كان موسى يضع التوراة فيه وكانوا يعرفونه ، ثم إن اللّه تعالى رفعه بعد ما قبض موسى عليه السلام لسخطه على بني إسرائيل . ثم قال نبي ذلك القوم : إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء ، فنزل من السماء والملائكة كانوا يحفظونه والقوم ينظرون حتى نزل عند طالوت وهذا قول ابن عباس . وعلى هذا الإتيان حقيقة ، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعا لأن من حفظ شيئا في الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء . أما شكل التابوت فقيل : كان من خشب الشمشار مموها